الحكيم الترمذي

164

غور الأمور

والصبر هو صبارك نفسك بين يديه كالغرض ينصب السهام وهو مدحك ففي الشكر إظهار مدحه ، وفي الصبر إظهار مدحك ، والشكر هو أن النعم ظاهر بها عليك لترى مدحه وتنطق بالحمد له عليه « 1 » ، والحمد والمدح بمعنى واحد ، إلا أن الحمد مستعمل في صنعه ، والمدح مستعمل في صفاته ، فكأن الرؤية منك لم تؤد بك إلى الحياء منه والخضوع له ، والصبر هو أنه ابتلاء ليستخرج خيرك وشرك ، فهل ثبت له ، وهل تنصب نفسك لسهام غرضه ، فكان ما خضعت وتذللت وانقدت من أجل النعيم إنما يظهر صدقك ، فالذي ابتلاك به بأنك شكور ، تحقق ذلك قوله جل وعلا : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ « 2 » . فأخرج الصبر على قالب فعال ، وأخرج الشكر على قالب فعول ، بدأ بالصبر قبل الشكر ، لأن بالصبر يظهر الشكر ، فالشكر منكمن كالنار في الحجر ، والبلاء كالزند يورى النار من الجمر ، فإذا اقدحت به الحجر ظهر المنكمن من النار .

--> ( 1 ) ثمة فرق بين الحمد والشكر . . فالشكر عرفان الإحسان ونشره ، قال ثعلب : والشكر لا يكون إلا عن يد ، والحمد يكون عن يد وعن غير يد ، والشكر من اللّه المجازاة والثناء الجميل ، والشكر : الثناء على المحسن بما أولاه من المعروف ، وأشكر الضرع واشتكر : امتلأ لبنا . واشتكرت السماء : حفلت واغبرت وجد مطرها واشتد . أما الحمد فهو أعم من الشكر ويكون عن يد وعن غير يد ، والحميد من صفات اللّه ، والحمد رأس الشكر ، أحمد الرجل إذا رضى فعله ومذهبه ، وفلان يتحمد الناس بجوده أي يريهم أنه محمود . ويتحمد علىّ : أي يمتن علىّ . ( 2 ) سورة إبراهيم / الآية 5 .